لماذا الحنين؟


كأس كبير من كوكتيل الفواكه، نغمة جوال نوكيا قديمة، رائحة التراب المغمس بالدم، طريق متوج بالأشجار، حديث ماتع مع صديق أبعدتك السنوات عنه، صورة مع عائلتك من أيام الطفولة أو المراهقة، عدد من مجلة ماجد مختبئ خلف المكتبة منذ عشرين عامًا، كلها تؤدي نفس الغرض: توقظ المارد الذي بداخلك، والذي يبقيك حيًّا ويبقيك ميتًا، الحنين. لماذا تحنُّ؟ لماذا نحنُّ جميعًا؟ أليس من الأجدر أن نمحو كل تلك الذكريات و”نصلي الحاضر” كما يقال؟ لماذا بقي فينا هذا البؤس الذي نشتاق إليه؟ لماذا نشتاق إلى أناس لن نراهم، وإلى أماكن لن نعود إليها، وأحوالٍ فارقناها إلى غير رجعة؟ والأهم، لماذا نشتاق إلى نسخٍ من أنفسنا كرهناها وكرهنا كل ما مرت به، ويزعم ذلك الصوت الذي بداخلنا أنها أبغض ما مررنا به؟ لماذا تحيي فيك أغنية
Country Road
سيلًا من الحنين لا تعرف مأتاه وأنت لم تزر ويست فيرجينيا في حياتك وربما لم تسمع بها من قبل؟ وتشعل فيك “يا رايح ع ضيعتنا” رغبة في تقبيل رأس أمك التي أغضبتها اليوم أربعمئة مرة وضمها رغم أنك لست ابن ضيعة أصلًا؟

نحن لا نحنُّ إلى بؤسنا صدقني. نحن لا نحن إلى أيامنا التعيسة، ولو عاد بنا الزمان لما اخترناها ربما. نحن نحنُّ إلى أنفسنا فقط. نحنُّ إلى تلك النسخ منا التي خاضت آلاف التجارب حتى صقلتنا وشكلتنا على هيئتنا اليوم رغم كرهنا لها. حنيننا هو رسالة شكر وعرفان لأنفسنا في الماضي، شكرٌ على إيمانها بالله وبأقداره، وبأن الخيرة فيما اختاره الله، على صبرها وتحملها كل ما مرت به، وغوصها في بحر لجيٍّ لا يرى أوله من آخره، على عدم استسلامها رغم أن النور في نهاية النفق غير ظاهر، بل ووجوده من عدمه موضع شك أساسًا. هذا الحنين هو زوادتنا في الدرب الطويل، فلا أخفيك سرًّا (وأنت أعلم مني بهذا السر)، لا زلنا في ذات البحر الهائج، ولم نخرج بعد من هذا النفق المعتم، ولم نرَ نهاية هذا المسير وهل سنصل غايتنا أم تتقطع بنا السبل قبل بلوغها! حنيننا هو تذكرة لنا أين كنا وأين أصبحنا، وسواءً كنا بائسين في الماضي أو نحن بائسون في الحاضر، كل ما أعرفه أننا – بعون الله – حتى الآن صامدون، وكل ما مررنا به ولم يقتلنا جعلنا أقوى (كما يدعون)، أو أضعف، لكنه على الأقل لم يقتلنا بعد.


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *